ابن ميثم البحراني

96

شرح نهج البلاغة

القوىّ بعد أخذ الحقّ منه لا يكون على السواء بل يكون التفاته إلى القوىّ أكثر وذلك ليس من العدل . قلت : إنّه لمّا لم يكن الغرض من الأمر بمساواة النظر بين الخلق إلَّا أخذ حقّ الضعيف من القوىّ وعدم التظالم بينهم لم تجب مساواة النظر بين الضعيف والقوىّ إلَّا من تلك الجهة . ولم يكن إعزازه المقوىّ وإكرامه في غير وجه الظلم قبيحا لجواز انفراده بفضيلة يوجب إعزازه من جهة الدين أيضا . الفصل الثالث : قوله : رضينا عن اللَّه قضاؤه وسلَّمنا له أمره . إلى قوله : من كذب عليه . قيل : ذكر ذلك عليه السّلام لما تفرّس في طائفة من قومه أنّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم من أخبار الملاحم في الأمور المستقبلة ، وقد كان منهم من يواجهه بذلك كما روى أنّه لمّا قال : سلوني قبل أن تفقدوني فواللَّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مائة وتهدى مائة إلَّا أنبأتكم بناعقها وسائقها . قام إليه أنس النخعيّ فقال : أخبرني كم في رأسي ولحيتي طاقة شعر . فقال عليه السّلام : واللَّه لقد حدّثني حبيبي أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك ملك يلعنك ، وأنّ على كلّ طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك ، وأنّ في بيتك سخلا يقتل ابن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكان ابنه سنان بن أنس قاتل الحسين عليه السّلام يومئذ طفلا يحبو ، وسيأتي بعض تلك الأخبار . فقوله : رضينا عن اللَّه قضاءه وسلَّمنا له أمره . قد عرفت أنّ الرضا بقضاء اللَّه والتسليم لأمره باب من أبواب الجنّة يفتحه اللَّه لخواصّ أوليائه ، ولمّا كان عليه السّلام سيّد العارفين بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكان قلم القضاء الإلهيّ قد جرى على قوم بالتكذيب له والتهمة فيما يقول لا جرم هو كان عليه السّلام أولى الناس بلزوم باب الرضا . وقوله : أتراني أكذب . إلى قوله : عليه . استنكار لما صدر منهم في حقّه من التكذيب ، وإيراد حجّة لبطلان أوهامهم في حقّه بصورة قياس الضمير مع نتيجته ، وتقديره واللَّه لأنا أوّل من صدّقه وكلّ من كان